أوهام الطوفان القادم وحقيقة غرق دلتا النيل

 

 

عن موقع إسلام اون لاين

العالم أجمع ليس له حديث الآن إلا عن آثار ظاهرة الاحتباس الحراري ومخاطر التغير المناخي المستقبلية، وعن السبيل الأمثل لمواجهة هذه المخاطر والحد من تداعياتها، لكن شتان الفارق بين تناول الإعلام الغربي عموما والإعلام العربي لهذه المسألة؛ ففي حين تتميز الآراء المطروحة في الإعلام الغربي بالزخم المعلوماتي والوعي الكامل بجميع الجوانب المتعلقة بظاهرة الاحتباس الحراري، وحقيقة الآثار والتداعيات المترتبة عليها، وفي حين تدور المناقشات ووجهات النظر المتبادلة بخصوصها في إطار علمي ومنهجي لا مجال فيه للإفتاء أو المزايدة على الحقائق العلمية، أو محاولة استغلال الوضع القائم بأي شكل، تبدو في المقابل صورة الإعلام العربي، لاسيما في مصر، جد متناقضة وعبثية للغاية.

يتجلي هذا بوضوح في غلبة صوت أدعياء الخبرة وأشباه المتخصصين على صوت أهل العلم والتخصص، وفي تفوق لغة الإثارة وحب الظهور على لغة العلم والحقائق العلمية، كما يتجلى في تنامي الحديث عن حتمية غرق دلتا النيل تحت طوفان كبير، وبلوغ خط البحر مشارف مدينة طنطا بوسط الدلتا، وضرورة الإسراع بالتالي في بناء حواجز بحرية عملاقة وممتدة، ووضع خطط لتهجير سكان المناطق الساحلية... إلى آخر تلك الرؤى المغلوطة، والاقتراحات الواهية التي لا تنطوي على معلومات دقيقة، وتحمل كثيرا من المبالغة والمزايدة.

والواقع أن الصورة ليست على هذا النحو المرعب، لا في مصر ولا في غيرها؛ فمع الإقرار بأن آثار الاحتباس الحراري باتت ملموسة وواضحة للعيان، فإن حتمية غرق المناطق الساحلية بصفة عامة ودلتا النيل بصفة خاصة لا زالت محل شك، كما أن هناك كمًّا كبيرا من المعطيات والمعلومات العلمية المغيبة عنا، ولا يستوي بالتالي مناقشة أمر التغير المناخي أو غرق المناطق الساحلية دون معرفتها أو اعتبارها.

بين الشك واليقين

من أهم تلك المعطيات أنه على الرغم من الجهود العلمية المبذولة فإنه لا يمكن القول بأن العلم قد وصل إلى مرحلة اليقين بعد بشأن قضية التغير المناخي، وبشأن مخاطرها المستقبلية؛ فاليقين الواحد الثابت والذي لا يوجد عليه خلاف حتى الآن في هذه المسألة هو تنامي ظاهرة الاحتباس الحراري، وارتفاع الحرارة على سطح الأرض، لكنه يوجد في المقابل ثمة أكثر من نقطة خلاف وتعارض، كما يوجد خلط واضح بين بعض آثار هذه الظاهرة وبعض العوامل الأخرى، ينبغي بيانها، وفض الاشتباك الواقع بينها؛ لكي يكون التقييم واقعيا وموضوعيا، وهذا ما يمكن إيجازه على النحو التالي:

 1- أنه مع التسليم بأن مستوى تركيز ثاني أكسيد الكربون -وهو أحد أهم وأخطر غازات الاحتباس الحراري- قد تعدى بالفعل الحدود الآمنة، فلا يوجد مع ذلك دليل قاطع وحاسم على أن هذا الغاز وبقية الغازات الدفيئة عموما هي -وحدها- المسئولة عن ارتفاع درجة الحرارة على سطح الأرض؛ فلا يزال هناك قدر من الجدل بهذا الخصوص، حيث يرى بعض المتشككين -على سبيل المثال- أن تزايد النشاط الشمسي خلال الفترة الماضية هو المسئول عن احترار الأرض، نافين أي دور للإنسان أو الغازات الدفيئة في هذا الأمر، ومستدلين على ذلك بمعاصرة كوكب الأرض وتحديدا قبل بزوغ فجر الثورة الصناعية لفترات دفء سابقة، ومستدلين كذلك بتعرض كوكبنا لفترات تبريد صغرى في ذروة عهد الثورة الصناعية والنشاط الكربوني.

2- القول بأن كلا من الاحتباس الحراري والتغير المناخي وجهان لعملة واحدة، لا يعني أنه من الممكن اعتبار التغير المناخي بالضرورة وعلى الدوام وجها آخر لجميع المشاكل البيئية والكوارث التي ما برحت تفارق الأرض (حاليا)؛ فتزايد التصحر قد يحدث على سبيل المثال نتيجة جملة أخرى من الأسباب غير آثار الاحتباس الحراري، منها: الرعي الجائر، أو زيادة التنمية العمرانية، أو هجرة الكثبان الرملية، أو غيرها.

وفيضانات الأنهار والعواصف تحدث منذ قديم الأزل، وليس بالضرورة أن تكون نتاج خلل في منظومة عمل الرياح والضغط الجوي بسبب التغير المناخي.. وهكذا لا يمكن نسبة كل سوء أو بلاء يصيب وجه الأرض أو أديمه إلى آثار الاحتباس الحراري أو التغير المناخي؛ حيث لا ينطوي هذا على أي مرجعية علمية حقيقية.

3- هناك خلط واضح بين بعض تداعيات الاحتباس الحراري وبين بعض التأثيرات الطبيعية الأخرى؛ وهو ما يحمل قضية التغير المناخي في أحيان كثيرة أكثر مما تحتمل، ومن ذلك الخلط الحادث بين آثار ارتفاع مستوى سطح البحر والذي من شأنه تقدم البحر وغمره لأجزاء من السواحل المواجهة، وبين ظاهرة تآكل الشواطئ التي عادة ما تنتج عن عوامل طبيعية مثلا بفعل الأثر الهدمي لأمواج البحر وهجومها المتوالي والمستمر على الشواطئ الرملية مسببة تآكلها وإزالة الرمال من على شواطئها، أو بفعل هبوط أراضي الدلتا بسبب قابلية تربتها التحتية للانضغاط، بما ينبني عليه تقدم البحر تدريجيا تجاه الشواطئ القريبة.

وبالنسبة لكثيرين منا قد يبدو هذا دليلا على ارتفاع مستوى سطح البحر، وعلى تحقق أحد مظاهر التغير المناخي، في حين أن الحقيقة ترجع لأسباب أخرى لا علاقة لها بالاحتباس الحراري أو ذوبان الكتل الجليدية.

حقائق أخرى ثابتة

فضلا عما سبق، ينبغي أيضا وضع عدد من الحقائق الأساسية في الاعتبار عند الحديث عن مخاطر التغير المناخي وغرق المناطق الساحلية ومنها دلتا النيل؛ وهذا لكي تكتمل أركان الصورة، وتبقى الأمور في نصابها، دون مبالغة أو مزايدة، ومن أهم هذه المعطيات:

1- غرق الدلتا والأماكن الساحلية الأخرى، وتحقق بقية مخاطر التغير المناخي مبني أساسا على نظرة تشاؤمية بفشل جهود المجتمع الدولي في الحد من انبعاثاته الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وبالتالي استمرار مشكلة ارتفاع الحرارة، ما سيؤدي إلى ذوبان الكتل الجليدية وغيرها من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة.

لكنه بالنظر إلى تعاظم الجهود الدولية مؤخرا، وتغير موقف الدول الكبرى الملوثة -بخاصة أستراليا وأمريكا والصين وبقية الاقتصاديات الناشئة- من قضية التغير المناخي وبرتوكول كيوتو، على ما تحقق من نجاحات بقمة كوبنهاجن، وإن كانت محدودة، يبقى هناك أكثر من بادرة للتفاؤل، وأمل حقيقي وواقعي في إمكان نجاح هذه الجهود وخفض الانبعاثات الغازية بشكل مؤثر.

2- التنبؤ بغرق دلتا النيل والمناطق الساحلية الأخرى، وتقييم مخاطر التغير المناخي الأخرى مبني أساسا على استخدام أسلوب "النمذجة" Modeling أو "النماذج الرياضية" Numerical Modelling التي تتباين فيما بينها في المنهج النظري وأسلوب العمل، ومقدار ونوعية البيانات الحقلية، وبقية المتغيرات المدخلة إليها؛ لذا فهي -وإن كانت تحاول محاكاة الواقع المستقبلي وإعطاء فكرة عامة عما يمكن أن يحدث مستقبلا- تتباين أيضا في جودة مخرجاتها ودقة نتائجها؛ بما يعني أن الأمر ما زال خاضعا للاجتهاد والتطوير، وبما يعني أنه لا يمكن أن نأخذ استنتاجات هذه النماذج على أنها نتائج حتمية ومحسومة.

3- في نفس الإطار السابق، ينبغي توضيح أن التنبؤ بمخاطر التغير المناخي مبني على استخدام نماذج عالمية Global Models، وليست إقليمية Regional أو محلية Local، وهي بطبيعة الحال أكثر واقعية وأكثر دقة من حيث جودة النتائج المستنبطة؛ لذا فإن تطبيق النوع الأول، وإن كان مفيدا في إعطاء فكرة عامة عما يمكن أن تتعرض له منطقة ما على وجه الخصوص، لكنه لا يمكن الوثوق بشكل كامل فيما ينبئ به بخصوص تلك المنطقة تحديدا؛ وهذا ما ينطبق تماما على حالة دلتا النيل؛ إذ لا يوجد بشأنها أي نموذج إقليمي أو محلي، علما بأن إعداد نموذج خاص بها يتطلب قاعدة بيانات كبيرة ومتكاملة، وإمكانيات مادية ضخمة، ووقتا طويلا، وموارد بشرية وخبرات عديدة؛ وهو ما ليس متوفرا أو متاحا حاليا.

4- جميع التقارير البحثية المتعلقة بدراسة وبتقييم آثار الاحتباس الحراري، واحتمالات التغير المناخي، وفي ذلك تقرير اللجنة الدولية للتغير المناخي IPCC الأخير، لم يجزم أي منها يقينا بتحقق مخاطر هذه الظاهرة مستقبلا، لذا انطوت جميع الملاحظات والتوصيات الصادرة عنها على مجرد التحذير من (إمكانية) التعرض لمخاطر التغير المناخي، ومنها (احتمال) ارتفاع منسوب سطح البحر، (إذا ما) استمر ارتفاع حرارة سطح الأرض بهذا الشكل.

وقد استخدم في هذا أسلوب علمي متعقل، وصياغة حذرة، يغلب عليها التنبيه، وتكرار استخدام أدوات الشرط من قبيل: "إذا"، و"ما لم"، و"قد"، دون جزم أو حسم، وهو عكس الحادث في معظم وسائل الإعلام العربية، التي تفرغ مستضيفها لكل أنواع الإفتاء العلمي، وإلى الجزم والحسم والرفع والخفض، في جهالة واضحة بحقائق الأمور وبالمنهج العلمي الصحيح.

وعلى أي حال، وبافتراض -جدلا - فشل الجهود العالمية الداعية لوقف ظاهرة الاحتباس الحراري، وهو أمر مستبعد في المرحلة الحالية، وبافتراض استمرار تفاقم هذه الظاهرة وبالتالي تحقق مخاطرها المستقبلية، وكذلك بافتراض تحقق نبوءات النماذج الرياضية العالمية السابق ذكرها، بافتراض –جدلا- تحقق كل هذا، فإنه ينبغي إدراك أن غالبية التغيرات أو المخاطر الحادثة لن تكون على أي حال بمثل القسوة والمبالغة المصورة، ولن يكون الأمر كمثل طوفان نوح السابق، كما صوره البعض، بل سيكون تحقق الأمر -إذا ما حدث لا قدر الله- تدريجيا وبطيئا بما يسمح معه بالنجاة واتخاذ جميع الإجراءات والسبل اللازمة للحماية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ولعلنا لا نقصد بهذا التهوين من حجم المشكلة، أو تصديرها وتأجيلها للمستقبل أو أجيال الغد، بل نقصد وضع الأمور في نصابها وفي حجمها الطبيعي دون أي تضخيم أو مبالغة.

متطلبات المرحلة الحالية

نافلة القول من كل ما سبق أنه ينبغي النظر إلى ظاهرة الاحتباس الحراري وتداعياتها المحتملة -وأهمها التغير المناخي- بموضوعية، وعلى أنها ليست أكثر من ظاهرة بيئية مقلقة تستأهل في هذه المرحلة كل الاهتمام والبحث والتقصي، كما تستدعي حشد كل الطاقات الممكنة من أجل فهم أسبابها، وإيجاد سبل لعلاجها، أو وقف آثارها، لكن دون أن يستدعي هذا إثارة الفزع أو البلبلة كما هو حادث حاليا؛ لذا، وانطلاقا من هذا المبدأ، فإن أفضل سبيل للتعامل مع هذا الأمر حاليا هو تشجيع البحث العلمي، ودعم البرامج العلمية المتخصصة من أجل دراسة وفهم أسباب وحقيقة التغيرات المناخية، ومن أجل التدقيق في نتائجها والمخاطر المحتملة على المنطقة العربية وشعوبها، وهذا بما يمكنا من تأكيد أو نفي الجدل الذي لا زال قائما بخصوص بعض جوانب هذه القضية وتداعياتها وشدة آثارها لاسيما على المنطقة.

من جهة أخرى يتعين أيضا على الجميع -سواء كانوا أفرادا أو جماعات، وسواء كانوا دولا أو حكومات- التحرك بسرعة من أجل وقف التدهور البيئي الحادث، والتخلص من كل آثار التلوث الناتج، وهذا باتباع السلوك القويم، والتوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة، ومفاهيم الاقتصاد الأخضر، وتدوير النفايات والزراعة العضوية، وغيرها من الأمور والتصرفات الرشيدة والمراعية للحس البيئي وقدرات النظم الإيكولوجية المختلفة، وهذا بغض النظر عما إذا كان هذا مجديا بالنسبة لوقف آثار الاحتباس الحراري من عدمه؛ فالحفاظ على البيئة نظيفة، وعدم الإسراف أو القسوة في التعامل مع كل الكائنات والموجودات المتاحة هو جزء من الأمانة التي حملها لله لنا، وجزء من تعاليم كل الأديان والأعراف الإنسانية، لذا ليس أقل من محاولة الإيفاء بحقوق هذه الأمانة، وليس أقل من اتباع السلوك الرشيد في تعاملنا مع عناصر البيئة المحيطة، وليكن اعتمادنا بعد ذلك على الله الأحد الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا.